مصطفى بن سليمان بالي زاده الحنفي
28
شرح فصوص الحكم
الملائكة ( وانظر ) بنظر العبرة إلى قصة الملائكة مع آدم الذي سنذكره وازجر نفسك عن مذمة الغير والدعاوي التي ما أنت متحقق بها وسوء الأدب مع اللّه حتى لا تكون عبرة لغيرك كما يكون غيرك عبرة لك هذا معنى قوله : ( من أين أتى على من أتى ) وأتى وجاء تستعملان بمعنى الفعل يعني من أين فعل على من يقع ( عليه ) الفعل على وجه التوبيخ والملائكة فإنه قد هلك من هلك وبوّخ من يوبّخ بأمثال هذه الصفات التي تصدر من عدم العلم بأنفسهم ومرتبة غيرهم ولما كانت هذه القصة أعظم القصص موعظة وهدى للناس وأهم للطالبين أوصى أوّلا بالحفظ والنظر ثم شرع إلى بيانها بقوله : ( فإن الملائكة لم تقف مع ما تعطيه ) ما تظهره للحق من جميع أسمائه ( نشأة هذه الخليفة ولا وقفت مع ما تقتضيه حضرة الحق من العبادة الذاتية ) التي لا تحصل إلا في نشأة الخليفة وهي العبادة بجميع الأسماء والصفات أي لم تطلع عليهما فالوقوف هاهنا بمعنى الشعور والاطلاع وكذلك المذكور بعده لأن تجريحهم ودعواهم التسبيح والتقديس مسبب عن عدم علمهم بما ذكر فقد عدّي بمع باعتبار تضمينه معنى الثبوت ( فإنه ما يعرف أحد من الحق إلا ما تعطيه ذاته ) تعليل للمعطوف والمعطوف عليه معا أي لا يعرف أحد الحق إلا بحسب معرفته بنفسه ولا يعبده إلا بحسب علمه ( و ) الحال أن ( ليس للملائكة جمعية آدم ) حتى يحصل فيها ما يحصل فيه من العبادة الذاتية فاستغنى بوجودها عن وجود آدم فلا بد من وجود آدم ليحصل مقتضى الذات الإلهية فلا مانع لحصول مقتضى الذات فهم أرادوا أن يمنعوه بقولهم : أَ تَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها [ البقرة : 30 ] لعدم علمهم بما ذكر وظنهم أنفسهم كفاية لمصلحة العبادة حيث قالوا : وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ [ البقرة : 30 ] ( ولا وقفت مع الأسماء الإلهية التي تخصها ) تخص الملائكة بها ( وسبحت الحق به وقدسته ) أي لا تطلع باختصاصهم بأسمائهم واختصاص تسبيحهم بها ( وما علمت أن اللّه تعالى أسماء ما وصل علمها إليها فما سبحته ولا قدسته ) لحصرهم الأسماء والتسبيح والتقديس فيما هم عليه ( فغلب عليها ما ذكرناه وحكم عليها هذا الحال ) فأخرجهم عن حدّ الاعتدال ( فقالت من حيث النشأة ) الخاصة بهم ( أتجعل فيها من يفسد فيها وليس ) ما قالوا في حق آدم من الإفساد وسفك الدماء ( إلا النزاع ) أي نزاع آدم عليه السلام مع الحق ( وهو ) أي هذا النزاع ( عين ما وقع منهم فما قالوه في حق آدم ) من المخالفة والمنازعة لأمر الحق ( هو عين ما هم فيه مع الحق ) وهذا من إعطاء نشأتهم ( فلو لا أن نشأتهم تعطى لهم ذلك ) المذكور ( لما قالوا في حق آدم ما قالوه ) وفيه اعتذار من جانبهم ( ولكن لا يشعرون ) أنهم كانوا أصحاب النزاع بقولهم أَ تَجْعَلُ وذكر الشعور دون العلم يدل على أن نزاعهم مع الحق تعالى قد بلغ غاية الظهور فكان كالمحسوس المشاهد فإذا لم يشعروا مخالفة أنفسهم مع الحق لم يعرفوا نفوسهم وأحوالهم ( فلو عرفوا نفوسهم لعلموا ) ربهم ولم يعلموا ( ولو علموا ) ربهم ( لعصموا ) عن قولهم في حق آدم كما عصموا بعد العلم بإظهار الحجة عليهم ( ثم لم يقفوا مع التجريح حتى زادوا في الدعوى بما